سياسة الاحتلال في استهداف الصحفيين الفلسطينيين..

من الاعتقال والتعذيب والحبس المنزلي إلى التبعات الصحية القاتلة. 

 

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصعيد استهدافها الممنهج للصحفيين والصحفيات الفلسطينيين، عبر منظومة متكاملة من الانتهاكات تشمل الاعتقالات التعسفية، والملاحقة الميدانية، والتحويل إلى الاعتقال الإداري التعسفي دون تهمة أو محاكمة، وفرض سياسة العزل الانفرادي على الأسرى الصحفيين في سجون الاحتلال، إلى جانب مصادرة معداتهم والتضييق المستمر على حرية العمل الصحفي. وتأتي هذه الممارسات في إطار حرب الإبادة الجماعية بحق كل مكونات الشعب الفلسطيني.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من 250 صحافياً بين احتجاز واعتقال، يتبقى منهم قيد الاعتقال حالياً 40 صحافياً (من بينهم 5 صحافيات)؛ حيث اعتُقل 38 منهم بعد السابع من أكتوبر إضافة إلى صحافِيَيْن اثنين اعتُقلا قبل هذا التاريخ. ويخضع معظم هؤلاء الصحافيين للاعتقال الإداري أو المحاكمة تحت غطاء تهمة التحريض، حيث يتوزعون قانونياً على: 19 صحافياً رهن الاعتقال الإداري، و7 صحافيين من غزة مصنفين كـ "مقاتلين غير شرعيين"، وصحافِيَيْن اثنين رهن الإخفاء القسري وهما نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، بينما تُحاكم الغالبية المتبقية بتهم التحريض، كما تتسع دائرة الانتهاكات لتشمل فرض 'الحبس المنزلي' لتجريد الصحفيين من حريتهم ، وهو ما يعانيه 3 صحافيين حالياً، هم: بيان الجعبة (القدس)، وسعيد حسنين (الداخل)، وسمية جوابرة (نابلس).

 

"وقد وثّقت مؤسسات الأسرى عشرات الشهادات لصحفيين وصحفيات تعرّضوا للاعتقال، تكشف عن منظومة تعذيب بنيوية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي ومعسكراته، تقوم على التعذيب الجسدي والنفسي، والتجويع الممنهج، والاعتداءات الجسدية والجنسية بما فيها الاغتصاب، فضلاً عن سياسات الإذلال والتنكيل والحرمان من أبسط مقومات الحياة، وعلى رأسها الحرمان من العلاج. كما يُحتجز المعتقلون في ظروف قاسية وعزلٍ مضاعف، مع استمرار حرمانهم من الزيارات، ومنع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إليهم.

 

الاعتقال على خلفية "التحريض"..

سيف مسلط على رقاب الصحفيين..

تُعدّ الاعتقالات على خلفية ما يُسمى بـ "التحريض" سياسة من سياسات الاحتلال على مدار السنوات بشكل مستمر، إلا أن سلطات الاحتلال صعّدت من وتيرتها ووسّعت نطاق تطبيقها بشكل غير مسبوق في ظل حرب الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، تحديدًا بحق الصحافيين والصحافيات.

وقد باتت تهمة "التحريض" سيفاً مسلطاً على رقاب الصحفيين، إذ تستخدم لملاحقتهم واعتقالهم في السجون، مما أدى إلى وصول عدد المعتقلين على هذه الخلفية إلى أعلى مستوياته منذ سنوات. وتستغل سلطات الاحتلال هذه الذريعة لتجريم العمل الصحفي والتعبير عن الرأي. ولا تكتفي سلطات الاحتلال بالاعتقال فحسب، بل تعمد إلى إصدار أحكام سجن عالية وقاسية بحق الكوادر الصحفية، في محاولة ممنهجة لتكميم الأفواه ومصادرة حرية الرأي والتعبير وحرمان الصحفيين من أداء واجبهم المهني.

 

الصحفية نقاء حامد..

من التحريض من قبل المستوطنين إلى الاعتقال..

تعرضت الصحفية الفلسطينية الحاملة للجنسية الأمريكية نقاء حامد لحملة تحريضٍ ممنهجة ومستمرة أدارتها منصات وحسابات استيطانية إسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب نشاطها وتغطيتها الميدانية للاعتداءات والانتهاكات في الضفة الغربية. وتجسّد هذا التحريض بنشر مقاطع لتغطياتها والمطالبة المباشرة باستهدافها واحتجازها، حتى أقدمت قوات الاحتلال مساء الثلاثاء، 15 أيلول/سبتمبر 2026، على توقيفها واعتقالها أثناء عودتها من مهمة تغطية إعلامية عبر حاجزٍ عسكري قرب بلدة تقوع جنوب شرق بيت لحم، في خطوة تُبرز التكامل والتقاطع المباشر بين حملات التحريض الرقمي للمستوطنين والاعتقالات بحق الطواقم الصحفية.

 

الاعتقال الإداري..

سياسة قديمة بكثافة غير مسبوقة في ظل حرب الإبادة

يشكّل الاعتقال الإداري على مدار العقود الماضية إحدى أقدم وأقسى الوسائل التي استخدمتها سلطات الاحتلال لاستهداف كافة فئات الشعب الفلسطيني، ولم يكن الصحفيين والصحفيات الفلسطينيين بمنأى عن هذه السياسة، اعتماداً على ما يُسمى "الملف السرّي" الذي يُحرم الصحفي  ومحاموه من الاطلاع عليه. ويُعدّ هذا الإجراء انتهاكاً صارخاً للمواثيق والقوانين الدولية؛ إذ يُتيح احتجاز الكوادر الإعلامية لفترات قابلة للتجديد التلقائي دون توجيه تهم رسمية أو إجراء محاكمة عادلة، مما حوّله إلى أداة قمعية لتكميم الأفواه ومصادرة حق الصحفيين في نقل الواقع.

ومع تصاعد حرب الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، شهدت هذه السياسة تحولاً خطيراً بكثافة استخدامها واتساع غير مسبوق في نطاقها بحق الطواقم الصحفية، حيث تحول الاعتقال الإداري إلى سياسة من سياسات العقاب الجماعي وأدوات القمع والسيطرة، وعزل عشرات الصحفيين والصحفيات خلف السجون. وتستغل سلطات الاحتلال هذا الإجراء التعسفي كوسيلة للاستهداف المباشر.

ويُعدّ المصوّر الصحفي الفلسطيني معاذ عمارنة مثالًا حيًا على استهداف الصحفيين وتكرار إخضاعهم للاعتقال الإداري؛ فبعد أن فقد عينه اليسرى في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2019 إثر استهدافه برصاص قوات الاحتلال أثناء تغطيته لمصادرة الأراضي في بلدة صوريف بمحافظة الخليل، لم تتوقف الانتهاكات بحقه عند الإصابة المستديمة، بل تكرر استهدافه بالاعتقال الإداري لعدة مرات. إذ اُعتقل في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وخضع للاعتقال الإداري والإهمال الطبي الشديد لعدة أشهر قبل الإفراج عنه في 9 تموز/يوليو 2024، لتعاود قوات الاحتلال اعتقاله مجدداً مطلع أيلول/سبتمبر 2026 وتصدر بحقه قراراً جديداً بالاعتقال الإداري مؤخرًا، في ترسيخ لسياسة الملاحقة المستمرة وتكرار الاعتقال الإداري بحق الصحفيين والتنكيل بهم رغم ظروفهم الصحية الحرجة.

وفي سياق استهداف الصحفيين والصحفيات الفلسطينيات، تُجسد حالة الصحفية بشرى الطويل، نموذجاً صارخاً لسياسة الاعتقال الإداري المتكرر والمستمر؛ إذ تُعدّ من أكثر الصحفيات اللواتي عانين من تحويلهن للاعتقال الإداري وتجديده لعدة مرات متتالية على مدار سنوات عملها الصحفي. وكان آخر اعتقال لها في آذار/مارس 2024 من منزلها، حيث صدر بحقها قرار بالاعتقال الإداري جرى تجديده مراراً وتكراراً دون تهمة أو محاكمة. وتقبع الطويل حالياً في سجن الدامون رفقة عدد من الأسيرات المعتقلات، وسط ظروف احتجاز قاسية تتسم بالعزل والتنكيل والحرمان الممنهج من حقوقهن الأساسية والرعاية الطبية. وقد شهدت ظروف احتجازها تفاقماً خطيراً بعد مرور نحو شهر على عزلها في زنازين  سجن"نفي ترتسيا"، التي نُقلت إليها من زنازين العزل في سجن "الدامون".

 

شهادة على ظروف اعتقال الصحفيين

(الصحفي مجاهد بني مفلح).

تُعدّ قصة الصحفي مجاهد بني مفلح، من بلدة بيتا جنوب نابلس، شهادة حيّة ونموذجاً صارخاً للتبعات الصحية المباشرة والقاتلة للظروف الاعتقالية؛ إذ اُعتقل إدارياً في حزيران/يونيو 2025، وظل محتجزًا في سجون الاحتلال لستة أشهر ونصف عاش خلالها ظروفاً قاسية. وخلال فترة اعتقاله، تعرّض بني مفلح لتجويع حاد أدى لفقدانه أكثر من 20 إلى 25 كيلوغراماً من وزنه، إلى جانب حرمانه الممنهج من تناول الأدوية بشكل منتظم، وتعرّضه للتنكيل المباشر.

عقب الإفراج عنه في 11 كانون الثاني/يناير 2026، وخلال إجرائه مقابلة صحفية ونقله لتفاصيل المعاناة داخل السجن بعد يومين فقط من تحرره، تعرض لانهيار مفاجئ وفقدان للوعي إثر إصابته بنزيف دماغي حاد. أُدخل على إثره إلى المستشفى بحالة حرجة وخضع لعدة عمليات جراحية عاجلة ومُتتالية أُزيل خلالها جزء من جمجمته لإنقاذ حياته، مما أسفر عن تدهور دائم في قدراته الجسدية شمل صعوبات حادة في النطق والبلع وفقدان القدرة على التنقل والحركة دون مساعدة.

 

الحبس المنزلي: سلب الحرية وتحويل البيوت إلى سجون (قصة الصحفية سمية جوابرة)

تُمثّل سياسة الحبس المنزلي أداة عقاب قاسية تهدف إلى تقييد الصحفيين وسلب حريتهم في العمل والحركة دون إيداعهم السجون الفعلية، وتبرز حالة الصحفية سمية جوابرة (من نابلس) كواحدة من أكثر النماذج جسامةً لهذه السياسة.

تعرّضت الصحفية جوابرة للاعتقال في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بعد استدعائها للمقابلة لدى مخابرات الاحتلال، وكانت حينها في الشهر السابع من حملها. وبعد أسبوع من الاحتجاز والتحقيق، أُفرج عنها في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بشرط فرض الحبس المنزلي، ودفع وكفالة عالية، مع منعها الصارم من استخدام شبكة الإنترنت أو منصات التواصل الاجتماعي، وحرمانها الكامل من التغطية الصحفية والعمل الميداني.

وعلى مدار أشهر طويلة، عاشت جوابرة تجربة قاسية أُجبرت فيها على وضع مولودها الجديد وهي رهن الحبس المنزلي، محرومةً من ممارسة حياتها الطبيعية ومتابعة عملها، ليتحول بيتها إلى سجن آخر يفرض ضغوطاً نفسية وجسدية بالغة عليها وعلى أسرتها ومولودها الجديد.

ولا تقف هذه السياسة التعسفية عند حالة جوابرة، بل شملت صحفيين آخرين يواجهون العقاب والتقييد ذاته رهن الحبس المنزلي، وهما الصحفية بيان الجعبة (القدس)، والصحفي سعيد حسنين (الداخل).

 

تطالب مؤسسة الضمير المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية بالتحرك العاجل للإفراج الفوري عن جميع الصحفيين والصحفيات المعتقلين، وإلغاء سياسة الاعتقال الإداري التعسفية بحقهم. كما تدعو المؤسسة إلى فتح تحقيق دولي لمحاسبة الاحتلال على جرائم التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون، وتوفير حماية دولية حقيقية للطواقم الصحفية الفلسطينية لتمكينها من نقل الحقيقة بحرية ودون استهداف.