منذ السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 تمّ تحويل مراكز الاحتجاز الإسرائيليّة إلى ساحات إبادة جماعيّة، مورس فيها أنواع الانتهاكات الجسيمة كافّةً، والممنهجة بحقّ الأسرى الفلسطينيّين، التي قامت على سياسات التعذيب الجسديّ والنفسيّ، والإهمال الطبّيّ المتعمّد، والتجويع، والعنف الجنسيّ، والعزل الانفراديّ، والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانيّة. تندرج هذه الممارسات في إطار سياسات إبادة جماعيّة بطيئة، تستهدف تقويض حياة الأسرى وكرامتهم، وتؤدّي في كثير من الحالات إلى ارتقائهم داخل أماكن الاحتجاز. ولا تنفصل هذه السياسات عن السياق الأوسع للإبادة الجماعيّة التي تنفّذها سلطات الاحتلال بحقّ الشعب الفلسطينيّ، حيث تُعدّ السجون الإسرائيليّة إحدى أدواتها المركزيّة في تكريس القتل الممنهج، والانتهاك المستمرّ للقانون الدوليّ والقانون الدوليّ الإنسانيّ.
وفي هذا السياق، شهد عام 2025 الإعلان عن ارتقاء (32) أسيرًا فلسطينيًّا، ليتمّ لاحقًا الإعلان عن ارتقاء ثلاثة أسرى إضافيّين، وبذلك تمّ الإعلان من السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 وحتّى (15) نيسان/ أبريل 2026 عن ارتقاء (89) أسيرًا فلسطينيًّا، ممّن أمكن التحقّق من أسمائهم، وهو العدد الأعلى تاريخيًّا، لتُشكّل هذه المرحلة الأكثر دمويّة في تاريخ الحركة الأسيرة منذ عام 1967، فقد ارتفع العدد الإجماليّ لشهداء الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال منذ عام 1967 إلى (326) شهيدًا، إلّا أنّه يُرجَّح أن يكون العدد الفعليّ أعلى من ذلك؛ نظرًا لاستمرار الاحتلال في ممارسة جريمة الاختفاء القسريّ بحقّ عدد كبير من أسرى قطاع غزّة، الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا حتّى الآن.
تأتي هذه الورقة في محاولة لرصد وتحليل الظروف التي أدّت إلى ارتقاء عدد من الأسرى داخل أماكن الاحتجاز، من خلال تتبّع الشهادات والمعطيات المتوفّرة، بما في ذلك تقارير التشريح، وإفادات الأسرى الذين عايشوا الضحايا، والوثائق المرتبطة بظروف احتجازهم وأوضاعهم الصحّية. كما تسعى إلى إبراز العلاقة بين التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبّية، وبين تصاعد أعداد الأسرى الشهداء، بما يساهم في توثيق هذه الانتهاكات، ودعم وتعزيز جهود المساءلة والمناصرة على المستويين المحلّي والدوليّ.