مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية يدين قرار إلغاء لائحة الاتهام في قضية "سدي تيمان" باعتباره غطاءً متعمداً لجرائم التعذيب وترسيخاً ممنهجاً لنظام الفصل العنصري والإفلات من العقاب.
رام الله، 12 آذار/مارس 2026 – يُدين مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية (PHROC) بأشد العبارات القرار الصادر عن المدعي العسكري العام الإسرائيلي، إيتاي أوفير، بإلغاء لائحة الاتهام بحق خمسة من جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي المتهمين بارتكاب أعمال تعذيب واعتداء جنسي بحق معتقل فلسطيني في مركز احتجاز "سدي تيمان". إن هذا القرار لا يُمثل إخفاقاً في تحقيق العدالة فحسب، بل يُشكل فعلاً متعمداً من أفعال الإفلات من العقاب، ويُعدّ تستراً سياسياً وقانونياً، ما يؤكد مرةً أخرى، أن المنظومتين القضائية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي لا تهدفان إلى مساءلة مرتكبي الجرائم بحق الفلسطينيين، بل إلى حمايتهم ومكافأتهم وضمان إفلاتهم من العقاب.
إن إلغاء لائحة الاتهام يكشف بوضوح حقيقة طالما أدركها الفلسطينيون ووثقتها منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية على مدى سنوات: إن النظام الإسرائيلي لا يقوم على المساءلة، بل على إدارة معاناة الفلسطينيين والتستر عليها وتطبيعها.[1] فحتى وفقاً لرواية سلطات الاحتلال ذاتها، لم تكن هذه القضية من الحالات التي تم فيها تبرئة المتهمين أو دحض الوقائع المنسوبة إليهم؛ بل على العكس، وُصفت الأدلة بأنها ترسم "صورة خطيرة ومقلقة" بشأن أفعال الجنود. ومع ذلك، وعلى الرغم من جسامة الاتهامات، تم إسقاط القضية بذريعة صعوبات إجرائية. وهذا لا يمت بصلة إلى العدالة، بل يُجسد توظيفاً للإجراءات القانونية كأداة لطمس الحقيقة وحماية الجناة.
إن الرسالة التي يبعث بها هذا القرار لا لبس فيها: يجوز لجنود الاحتلال الإسرائيلي تعذيب الفلسطينيين والاعتداء عليهم جنسياً وإهانتهم، بينما يتدخل النظام في نهاية المطاف لحمايتهم من أي مساءلة. وما جرى في "سدي تيمان" ليس حالة استثنائية، بل هو جزء من نمط ممنهج وطويل الأمد، تُنكر فيه الانتهاكات الجسيمة بحق المعتقلين الفلسطينيين أو يُنتقص من خطورتها أو تُماطل إجراءات التحقيق فيها أو تُعرقل إجرائياً، لتنتهي في نهاية المطاف بالإغلاق دون مساءلة. وقد أكدت المنظمات الفلسطينية مراراً أن هذه النتائج هي تعبير عن منظومة مُصممة عمداً لمنح الحصانة لمرتكبي الجرائم الإسرائيليين، في مقابل حرمان الفلسطينيين من سبل الانتصاف والحماية والمساواة أمام القانون.[2]
وعليه، يجب فهم هذا القرار ليس فقط كحالة إفلات من العقاب، بل كجزء لا يتجزأ من نظام الفصل العنصري الذي يكرسه الاحتلال، ومن بنيته المؤسسية القائمة على الهيمنة العرقية والتمييز الجسيم ضد الشعب الفلسطيني. إن إنكار المساءلة عندما يكون الضحايا فلسطينيين، والحماية المنهجية لضباط وجنود الاحتلال، والحرمان الممنهج للفلسطينيين من الحماية القانونية الفعالة، ليست سمات عرضية في هذا النظام، بل هي من خصائصه الجوهرية. وكما أثبتت منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية مراراً، فإن النظام الإسرائيلي مُصمم للحفاظ على سيطرة جماعة على أخرى، من خلال هياكل قانونية تمييزية وممارسات قسرية وتطبيع العنف ضد الفلسطينيين.
لطالما روّج الاحتلال لرواية زائفة مفادها أن نظامه القانوني الداخلي قادر على تصحيح ذاته ومساءلة مرتكبي الانتهاكات. غير أن قضية "سدي تيمان" تُسقط هذا الادعاء مجدداً. فإذا كانت إحدى أبرز وأخطر قضايا الانتهاكات لا يمكن أن تمضي قدماً رغم وجود أدلة قوية وخطيرة، فإن الغاية من هذه الآليات تصبح واضحة: صرف الأنظار الدولية مع الحفاظ على الإفلات الكامل من العقاب على أرض الواقع. إن النيابة العسكرية الإسرائيلية ليست خارج منظومة الانتهاكات، بل هي جزء لا يتجزأ منها.
وعليه، فإن دور "إيتاي أوفير" في هذا القرار يتطلب محاسبته بشكل فوري، فلا يمكن له الاحتماء بذرائع السلطة التقديرية أو الحيطة الإجرائية. فمن خلال إلغاء لائحة الاتهام في قضية تنطوي على ادعاءات خطيرة بالتعذيب والاعتداء الجنسي بحق معتقل فلسطيني، يكون قد أسهم فعلياً في حماية الجناة وعرقلة تحقيق العدالة. إن سلوكه بإلغاء لائحة الاتهام يُجسد فعل التواطؤ. وعليه، يطالب مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بفتح تحقيق بحقه ومساءلته عن دوره في تقويض هذه القضية وتعزيز منظومة تحرم الضحايا الفلسطينيين من أي إمكانية للإنصاف.
كما أن هذا القرار لم يصدر في فراغ سياسي، بل جاء في سياق مناخ سياسي عدائي علني، دأب فيه قادة الاحتلال الإسرائيلي على التحريض ضد أي محاولات—حتى المحدودة منها—للتحقيق في الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين. ويُعدّ تصريح رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، الخاضع لمذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بأن دولة إسرائيل "يجب أن تطارد أعداءها لا مقاتليها الأبطال"، مؤشراً كاشفاً على هذا النهج. فهذا التصريح لا يُعدّ مسيئاً فحسب، بل يُشكل إقراراً صريحاً بالإفلات من العقاب، إذ يمجّد المتهمين بارتكاب انتهاكات بحق معتقل فلسطيني، ويقوّض أي محاولة للمساءلة، ويؤكد أن القيادة السياسية تعتبر حماية الجنود من الملاحقة أولوية وطنية. وبذلك، يؤكد مجدداً أن الضحايا الفلسطينيين محرومون حتى من أبسط أشكال الاعتراف بإنسانيتهم وكرامتهم وحقوقهم.
إن إلغاء لائحة الاتهام في قضية "سدي تيمان" يجب فهمه ضمن بنية أوسع من العنف الاستعماري الاستيطاني ونظام الفصل العنصري والهيمنة العرقية. فالمعتقلون الفلسطينيون لا يتعرضون للانتهاكات بمعزل عن هذا السياق، بل يُستهدفون ضمن نظام اعتمد، لعقود، على الاعتقال الجماعي والتعذيب والإكراه ونزع الإنسانية كأدوات للسيطرة على الشعب الفلسطيني. ويُعدّ الإخفاق المتكرر في مساءلة مرتكبي الجرائم أحد أبرز تجليات هذا النظام، إذ يبعث برسالة واضحة إلى الجنود والقادة والمحققين والعاملين في السجون والمدعين العامين وصناع القرار السياسي مفادها أن الجرائم بحق الفلسطينيين ستُقبل وتُبرر وتُمحى.
وعليه، يطالب مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية بإعادة فتح هذه القضية فوراً، وإعادة تحريك الإجراءات الجنائية بحق الجنود المتهمين في قضية "سدي تيمان". كما يطالب بالتحقيق مع جميع المسؤولين الضالعين في عرقلة العدالة وحماية الجناة ومساءلتهم، بمن فيهم المدعي العسكري العام "إيتاي أوفير"، ووزير الدفاع الإسرائيلي، ورئيس هيئة الأركان، الذين قرروا إغلاق القضية استناداً إلى توصية المدعي العسكري العام. إن أدوارهم تؤكد أن هذا القرار لم يكن مجرد إجراء ادعائي، بل كان فعلاً منسقاً تحولت فيه المؤسسات السياسية والعسكرية والقضائية للاحتلال إلى شركاء مباشرين في الجريمة وفي التستر عليها. وعليه، يجب ألا تقتصر المساءلة على المنفذين المباشرين، بل أن تمتد لتشمل كل مسؤول أو مؤسسة أسهمت في تمكين هذه الجرائم أو تبريرها أو حمايتها أو شرعنتها، وسعت إلى حرمان الضحايا الفلسطينيين من العدالة والإنصاف.
كما يدعو المجلس المحكمة الجنائية الدولية إلى اعتبار هذا القرار دليلاً إضافياً على عدم رغبة دولة الاحتلال على إجراء تحقيقات وملاحقات قضائية حقيقية في الجرائم الجسيمة المرتكبة بحق الفلسطينيين، والمضي قدماً في مساءلة الجناة وقادتهم وكل من أسهم في ارتكاب هذه الجرائم أو التستر عليها. ويدعو كذلك جميع الدول الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية، بضمان احترامها في جميع الأحوال، بما في ذلك اتخاذ تدابير ملموسة لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحق المعتقلين الفلسطينيين والشعب الفلسطيني عموماً. وعلى الدول الأطراف الكف عن التعويل على الآليات الداخلية الإسرائيلية المضللة، والامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي.
إن الجرائم المرتكبة بحق المعتقلين الفلسطينيين يجب تقييمها في سياق أوسع يتمثل في الإبادة الجماعية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، حيث تشكل الانتهاكات المرتبطة بالاعتقال جزءاً من نمط أشمل من التدمير ونزع الإنسانية والاستهداف الجماعي. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار التعذيب والعنف الجنسي والإذلال المتعمد والتجويع والإهمال الطبي وغيرها من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة انتهاكات عرضية أو معزولة، بل مكونات أساسية في عملية إبادة أوسع. ويُعدّ التعذيب، في هذا الإطار، ليس فقط انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي وقواعده الآمرة، بل وسيلة لإلحاق أذى بدني ونفسي جسيم بأفراد الجماعة المحمية، بما يسهم في فرض ظروف معيشية تؤدي إلى تدميرهم كجماعة. وعليه، يجب الاعتراف بمعاملة المعتقلين الفلسطينيين كجزء من السياق الإبادي، وكأفعال تعكس وتُعزز حملة أوسع من الإخضاع والتدمير والهيمنة الممنهجة بحق الشعب الفلسطيني.
لا يمكن تحقيق العدالة في ظل حماية الجناة، وتحوّل المدعين العامين إلى شركاء، واحتفاء القيادات السياسية بالإفلات من العقاب. إن إلغاء لائحة الاتهام هذه لا يُمثل مجرد قرار قانوني، بل إعلان صريح بأن حياة الفلسطينيين وكرامتهم وسلامة أجسادهم لا تزال خارج نطاق حماية القانون في ظل الاحتلال الإسرائيلي. ويرفض مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية هذا الإعلان رفضاً قاطعاً، ويؤكد أن للمعتقلين الفلسطينيين الحق في العدالة والحماية والمساءلة الكاملة عن كل جريمة ارتُكبت بحقهم.
أوقفوا الإفلات من العقاب. أعيدوا فتح القضية. حاكموا الجناة. حاسبوا إيتاي أوفير وكل من تواطأ في هذا التستر. على المحكمة الجنائية الدولية أن تتحرك. وعلى الدول الثالثة أن تتحرك. وعلى الدول الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة أن تفي بالتزاماتها وأن تضمن المساءلة عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
[1] مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، "خارج نطاق المحاسبة: تقرير قانوني حول سياسة الإفلات من العقاب في سياق الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيّين." منشور بتاريخ 12-2-2026. يُؤكد التقرير بأن غياب المساءلة القانونية عن الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين يرتبط بتواطؤ المنظومة القضائية الإسرائيلية وآليات الرقابة الداخلية التابعة لها.
[2] B’Tselem, “A Regime of Jewish Supremacy from the Jordan River to the Mediterranean Sea: This Is Apartheid,” 12 January 2021. B’Tselem argues that the regime governing Palestinians across all areas under Israeli control constitutes apartheid organized to maintain Jewish supremacy over Palestinians.