ورقة حقائق صادرة عن مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان

 

حرب الإبادة وتصعيد منظومة القمع بحق الأسرى والأسيرات

منذ بدء حرب الإبادة الجماعية التي تشنها دولة الاحتلال على الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، دخلت قضية الأسرى والأسيرات والمعتقلين الفلسطينيين مرحلة هي الأخطر والأكثر قسوة منذ عقود، في ظل تصعيد ممنهج ومتواصل في سياسات الاعتقال والاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة والتجويع والعزل والإهمال الطبي والحرمان من الحقوق الأساسية.

فبالتوازي مع حرب الإبادة التي طالت الفلسطينيين في قطاع غزة، وما رافقها من قتل جماعي وتهجير قسري وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية والمنشآت المدنية، وسّعت سلطات الاحتلال نطاق عمليات الاعتقال في الضفة الغربية  والقدس المحتلة، وبدأت، مع التوغل البري في قطاع غزة، بتنفيذ عمليات اعتقال جماعية طالت المدنيين، بما في ذلك الرجال والنساء والأطفال والمرضى والنازحين والعاملين في المجال الطبي والإنساني، وأشخاصًا جرى احتجازهم من المنازل ومراكز الإيواء والمدارس والمستشفيات وأثناء عمليات النزوح وعلى الحواجز ونقاط التفتيش.

وقد ترافقت هذه الاعتقالات مع نقل المعتقلين إلى السجون والمعسكرات ومراكز التحقيق ومواقع الاحتجاز العسكرية، حيث تعرضوا لظروف احتجاز قاسية ولأنماط متعددة من التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة، شملت الضرب المبرح، والتقييد لفترات طويلة، والحرمان من النوم، والإجبار على أوضاع جسدية مؤلمة، والإهانات والتهديدات، والعنف النفسي والجسدي والجنسي، إلى جانب التجويع والحرمان من المياه والطعام الكافي، ومنع الملابس والأغطية ووسائل النظافة الأساسية، والحرمان من الرعاية الطبية والأدوية، والعزل الانفرادي والجماعي، ومنع الزيارات العائلية، وتقييد وصول المحامين والجهات الرقابية الدولية.

عزل الأسرى عن العالم الخارجي وعن بعضهم البعض

 تزامن ذلك مع تشديد منظومة السيطرة على الأسرى، وعزلهم بصورة متزايدة عن العالم الخارجي، ومنع الزيارات العائلية والرقابة الدولية، بما في ذلك استمرار منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى والاطلاع على أوضاعهم، الأمر الذي أدى إلى شح المعلومات التي تفيد بأوضاعهم ومصيرهم، وخصوصًا المعتقلين من قطاع غزة.

وترافقت هذه السياسة مع ممارسة فعلية وممنهجة لسياسة الاختفاء القسري بحق المعتقلين، تمثلت في تعمّد احتجازهم في أماكن مجهولة—كالمعسكرات والسجون التي استحدثتها سلطات الاحتلال إبان حرب الإبادة—مع قطعٍ كامل للاتصال بينهم وبين عائلاتهم ومحاميهم، والامتناع التام عن الإفصاح عن أماكن تواجدهم أو مصيرهم لفترات طويلة.

وفي إطار هذه الجريمة المكتملة الأركان، حُرِمَت العائلات قسرًا من معرفة ما إذا كان أبناؤها على قيد الحياة أو تحديد مواقع احتجازهم، في وقت أنكرت فيه سلطات الاحتلال رسميًا وجود معتقلين لديها قبل أن تثبت معطيات لاحقة وجودهم في مراكز احتجازها. كما كُرِّست هذه السياسة عبر النقل السري والمتكرر للمعتقلين بين السجون والمعسكرات ومراكز التحقيق دون إبلاغ ذويهم، مما أعدم أي إمكانية لتتبع أماكن وجودهم أو الوقوف على مصيرهم، مؤكدًا ممارسة الاحتلال لسياسة الاختفاء القسري كأداة قمعية منظمة ومباشرة.

 

 

 

 

اتساع أعداد الأسرى والمعتقلين

وتكشف الأرقام عن اتساع نطاق سياسة الاعتقال والاحتجاز بصورة غير مسبوقة منذ بدء حرب الإبادة؛ فحتى منتصف آب/أغسطس 2026، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون ومعسكرات دولة الاحتلال أكثر من 9,400 أسير ومعتقل، بينهم نحو 370 طفلًا و92 أسيرة، فيما بلغ عدد المعتقلين الإداريين 3,198 معتقلًا، أي محتجزين دون توجيه تهمة أو محاكمة، وبالاستناد إلى ملفات سرية لا يمكن للمعتقل ومحاميه الاطلاع عليها ، علمًا أن عدد المعتقلين الإداريين هو الرقم الأعلى منذ سنوات طويلة.

كما بلغ عدد المعتقلين من قطاع غزة المصنفين من قبل دولة الاحتلال تحت مسمى «المقاتلين غير الشرعيين» نحو 1,358 معتقلًا، يخضعون لاعتقال تعسفي ودون ضمانات محاكمة عادلة، ودون توجيه تهم رسمية أو إخضاعهم لمحاكمة، مع التأكيد أن هذا الرقم لا يشمل بالضرورة جميع معتقلي القطاع المحتجزين في المعسكرات العسكرية، ما يعني أن العدد الفعلي للمحتجزين من غزة قد يكون أعلى بكثير من الأرقام المعلنة. 

حملات الاعتقال الجماعي في الضفة الغربية والقدس.

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تصاعدت حملات الاعتقال الجماعي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، لتطال آلاف الفلسطينيين من مختلف الفئات، وبينهم الأطفال والنساء والصحفيون والمرضى والنشطاء والعاملون في المجال الحقوقي والإنساني. ووفق المعطيات الموثقة من قبل مؤسسات الأسرى، تجاوز عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة 25 ألف حالة اعتقال حتى نهاية آب/أغسطس 2026. ولا يمثل هذا الرقم عدد المعتقلين الموجودين حاليًا في السجون، بل مجموع حالات الاعتقال التي شملت من بقوا في الأسر ومن أُفرج عنهم لاحقًا، الأمر الذي يعكس اتساع نطاق حملات الاعتقال واستمراريتها على مدار ما يقارب ثلاثة أعوام. وقد رافقت هذه الحملات عمليات اقتحام واسعة للمدن والبلدات والمخيمات والقرى، منها ما زال مستمرًا منذ أشهر، كمخيم جنين ومخيمات مدينة طولكرم، ورافق هذا كله عمليات تفتيش وتخريب للمنازل، واعتداءات وضرب وإذلال وتهديد للمعتقلين وعائلاتهم، إضافة إلى استخدام أفراد من العائلات كوسيلة للضغط والابتزاز.

الاعتقالات الجماعية من قطاع غزة

ومع بدء التوغل البري لقوات الاحتلال في قطاع غزة، اتخذت الاعتقالات هناك طابعًا جماعيًا إذ احتُجز آلاف الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية، وفي أثناء عمليات النزوح، ومن داخل المدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء والمنازل، وعند الحواجز ونقاط التفتيش. كما تعرض فلسطينيون للاحتجاز خلال عمليات الاقتحام البرية، ونُقل عدد منهم إلى منشآت احتجاز داخل دولة الاحتلال، بما فيها السجون والمعسكرات ومراكز التحقيق، في حين احتُجز آخرون بموجب تشريعات وأوامر عسكرية تسمح باحتجازهم دون محاكمة حسب قانون المقاتل غير الشرعي، ويظل توثيق أعداد المعتقلين من قطاع غزة أكثر صعوبة بسبب استمرار منع الوصول إلى العديد من أماكن الاحتجاز، وغياب المعلومات عن مصير أعداد من المعتقلين. 

السجون والمعسكرات: التعذيب والتجويع وسوء المعاملة

وفي السجون والمعسكرات ومراكز التحقيق، برزت منظومة متكاملة من الانتهاكات التي تستهدف الإنسان الفلسطيني جسديًا ونفسيًا، من خلال الحرمان من الطعام والماء والملابس النظيفة والنوم والنظافة الشخصية، والتعرض للبرد والحر الشديدين، والعزل، والإهانات والإذلال، والاعتداءات الجسدية والنفسية والجنسية، والتهديدات بحق المعتقلين وعائلاتهم. وقد تحوّل التجويع والحرمان من الاحتياجات الأساسية إلى إحدى أدوات العقاب والسيطرة داخل السجون، في وقت حُرم فيه الأسرى من كميات كافية من الطعام والمياه، وتراجعت أوزان عدد منهم بصورة حادة، وانتشرت الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية وانعدام النظافة وازدحام أماكن الاحتجاز. كما وثقت شهادات الأسرى استخدام قوات الاحتلال للأسلحة والطلقات المطاطية بحق أسرى عُزَّل محرومين من مقومات الحياة كافة؛ إذ أُطلقت الذخيرة بصورة مباشرة وعشوائية على أجسادهم داخل الأقسام، في سياق ممارسات قمعية متعمّدة تعتمد القوة المفرطة والإيذاء الجسدي المباشر.

وتوثق شهادة الأسير (ج.أ) [1]، الذي احتُجز في سجن النقب حتى الإفراج عنه في شهر 8/2026، جانبًا من هذه الممارسات، حيث أفاد بأن عمليات القمع كانت تتكرر بصورة منتظمة، وتخللها الضرب واستخدام الكلاب والطلقات المطاطية. وفي إحدى عمليات القمع، اقتحمت وحدة الكيتر غرفة تضم نحو 10 أسرى، وأجبرتهم على الانبطاح وتوجيه وجوههم نحو الحائط، قبل أن يطلق أحد عناصر الوحدة، من مسافة تقل عن متر، نحو 35 طلقة مطاطية بصورة عشوائية على أجساد الأسرى. وأصيب (ج.أ) بخمس طلقات، اثنتان في يده وثلاث في ساقه، ما تسبب له بنزيف وتورم وألم شديد، فيما أصيب أسرى آخرون بجروح، بينهم أسير تعرض لإصابة أدت إلى تمزق والتهاب في ساقه.

كما أفاد بتعرض الأسرى خلال قمع آخر للضرب والدعس على الأقدام والرؤوس، والشتائم والتكبيل الشديد، في ظل استخدام الكلاب والتصوير بالكاميرات. وإلى جانب العنف، وصف نقص الطعام والخبز، وسوء النظافة، وعدم انتظام الاستحمام، وانتشار السكابيوس وما رافقه من مضاعفات، إذ ارتقى عدد من الأسرى نتيجة لتفشي مرض السكابيوس بالإضافة إلى الظروف الأخرى القاسية.

وتكشف الشهادات الميدانية التي جُمعت خلال فترة الحرب عن أن هذه الانتهاكات لم تكن حالات فردية أو معزولة، وإنما جاءت ضمن أنماط متكررة من القمع والعنف والحرمان من الاحتياجات الأساسية، بشكل منهجي ومنظم.

وتعزز شهادة الأسير المحرر )ف.ت(، [2] الذي أمضى 32 شهرًا في الاعتقال الإداري وأُفرج عنه في شهر أغسطس 2026 ، صورة هذه الظروف، إذ أفاد بأن ظروف الاحتجاز في سجنَي عوفر والنقب اتسمت بنقص شديد في الطعام والمياه والملابس، وسوء النظافة، والاقتحامات والقمع المتكرر. وذكر أنه بقي في بداية اعتقاله نحو110   يومًا بالبنطال والقميص نفسيهما، مع نقص حاد في الملابس ومستلزمات النظافة، وأن الخروج إلى الفورة كان يتم على فترات متباعدة ولمدد قصيرة.  

ويضيف (ف.ت) حول انتشار السكابيوس والدمامل بصورة واسعة في النقب، حيث كان نحو 140 من أصل 150 أسيرًا في أحد الأقسام مصابين بالسكابيوس، أي أكثر من ٩٠ بالمئة من الأسرى داخل القسم قد أصيبوا بالفعل بالمرض، قبل أن تتطور إصابات عدد منهم إلى دمامل ونزيف والتهابات شديدة، مع نقص الأدوية والعلاج، ووصف تعرض الأسرى لعمليات قمع متكررة شملت الضرب والتكبيل واستخدام الكلاب والرصاص المطاطي، وإجبارهم على الزحف أو وضع رؤوسهم على مصرف مياه ملوث أثناء القمع.

وفي إحدى عمليات القمع في نيسان 2026 ، أفاد بتعرضه للضرب على العمود الفقري وتركه ينزف ومقيدًا على المصرف، دون نقله لتلقي العلاج. وفي قمع آخر شهر تموز من نفس العام أُطلق عليه كلب وضربه بكمامته في الرأس، ما أدى إلى فتح جرح بين حاجبيه، ورغم ملاحظة نزيفه، لم يُنقل إلى العيادة. وتكشف هذه الشهادة، إلى جانب شهادة (ج.أ)، عن تداخل التجويع والحرمان من الاحتياجات الأساسية مع القمع والعنف الجسدي والإذلال، بما يجعل ظروف الاحتجاز ذاتها جزءًا من منظومة متواصلة من العقاب وسوء المعاملة.

وقد أدت مجمل هذه الممارسات والجرائم المركّبة—من تعذيبٍ وسوء معاملة وإهمالٍ طبي ممنهج أدّى لتفشي مرض "السكابيوس"، إلى جانب سياسات التجويع والتعطيش والفرض المتعمد لظروف احتجاز قاسية—إلى نتائج كارثية أودت بحياة العديد من المعتقلين؛ حيث ارتقى خلال الأعوام الثلاثة الماضية أكثر من 100 أسير داخل السجون والمعسكرات نتيجة لهذه السياسات القاتلة. وبذلك، يرتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 إلى 323 أسيرًا قضوا جراء هذه الجرائم المتواصلة بحقهم.

الأسيرات: تصعيد القمع والحرمان من الحقوق الأساسية.

تشهد أوضاع الأسيرات الفلسطينيات تصعيدًا خطيرًا في ظل اتساع نطاق الاعتقال واستمرار سياسات القمع وسوء المعاملة داخل السجون. ويبلغ عدد الأسيرات 92 أسيرة حتى آب/أغسطس 2026، وهو رقم مرتفع جدًا مقارنة مع مراحل أخرى.  

وتشمل هذه الانتهاكات الاقتحامات المتكررة للأقسام، والتفتيش والعقوبات الجماعية، والتكبيل والضرب، إلى جانب الحرمان من الطعام والملابس ومستلزمات النظافة والاستحمام والرعاية الصحية، فضلًا عن انتشار الأمراض نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية.

وتعتبر شهادة الأسيرة (س.د)[3] مثالًا على هذه الظروف؛ إذ وصفت تعرض الأسيرات في سجن الدامون لعمليات قمع متكررة، شملت اقتحام الغرف بالكلاب والقنابل الصوتية، وتكبيل الأسيرات وطرحهن أرضًا وتعريضهن للشمس والحر الشديد لساعات، إلى جانب رش غاز الفلفل وضرب بعض الأسيرات. كما أفادت بانتشار مرض السكابيوس بين الأسيرات، وما رافقه من حكة شديدة ونزيف ودمامل، في ظل غياب العلاج اللازم، إضافة إلى نقص الطعام والملابس ومستلزمات النظافة، وحرمان الأسيرات من الاستحمام على مدار أيام، ومصادرة مقتنياتهن الأساسية خلال عمليات القمع.

وفي ذات السياق، تحدثت الأسيرة المحررة (ت.ن)[4]، التي أُفرج عنها في مايو 2026 بعد أكثر من عام في  الاعتقال الإداري، عن تعرضها منذ اعتقالها للتقييد والتهديد وسوء المعاملة والتفتيش المهين، ومصادرة ملابسها الشخصية وملابسها الشرعية. كما وصفت تصاعد عمليات القمع في سجن الدامون، والتي شملت إجبار الأسيرات على الانبطاح والجلوس على الركب لفترات طويلة، والتكبيل خلف الظهر والسحب والضرب، وشد الأربطة البلاستيكية بما تسبب بكدمات وجروح ونزيف. وأفادت بأن إحدى عمليات القمع في 17/4/2026 تسببت لها بآلام في الظهر، فيما تعرضت أسيرات أخريات لإجهاد شديد، دون أي تدخل طبي.

وتوثق شهادة الأسيرة (س.ح)[5] جانبًا آخر من تصعيد الانتهاكات بحق الأسيرات، إذ أفادت بأنها اعتُقلت في شباط/فبراير 2025 بعد استدعائها إلى مقابلة، وخضعت لاحقًا لتحقيقات مطولة تركزت على منشوراتها على موقع "فيسبوك"، بما فيها منشورات شخصية واجتماعية، قبل أن تُنقل إلى المسكوبية حيث احتُجزت نحو 22 يومًا في ظروف قاسية، شملت الحرمان من الطعام لفترات، وعدم معرفة الوقت، والشتائم المستمرة، وغياب النوافذ والضوء، وانتشار الصراصير وتسرب المياه، والنقص الحاد في مستلزمات النظافة والملابس المناسبة.

وبعد نقلها إلى سجن الدامون، أفادت بتصاعد عمليات القمع بصورة ملحوظة، خصوصًا منذ الأشهر الأولى من اعتقالها، حيث كانت القوات تقتحم الأقسام غالبًا قبيل الفجر باستخدام القنابل الصوتية والكلاب، وتأمر الأسيرات بالركوع أو الانبطاح، ثم تقتادهن للتفتيش، وتكبلهن من الخلف وتسحبهن بعنف إلى الساحة، مع تعرضهن للشتائم والضرب والإذلال. كما أفادت بأن بعض الجنود كانوا يتعمدون الركض فوق الأسيرات أو الاصطدام بهن، وأن جهاز الفحص "الماجنوميتر" استُخدم لضرب بعضهن،. وذكرت أن أصوات القنابل والاقتحامات كانت تتسبب بحالة خوف شديدة لدى الأسيرات، ولا سيما الحوامل، اللواتي كن يُنقلن إلى غرف أخرى أثناء القمع، لكنهن كن يتعرضن رغم ذلك لضغط نفسي وخوف شديدين.

وأشارت (س.ح) إلى تكرار عمليات القمع على امتداد فترة احتجازها، وقدمت قائمة تضمنت 28 عملية قمع أو اقتحامًا بين أيار/مايو 2025 وأيار/مايو 2026، شاركت فيها وحدات مختلفة، من بينها نحشون ويماز، وتخللت بعضها عمليات رش الغاز والضرب واستخدام الكلاب. كما وصفت حالة الأسيرة (ف)، التي أفادت بتعرضها للضرب خلال إحدى عمليات القمع، ثم لاعتداء من مدير السجن وضابط آخر، شمل ضرب رأسها بالمغسلة، قبل معاقبتها بالحرمان من الفورة.

وفي ذات السياق، تروي شهادة الأسيرة (آ.د) [6] تفاصيل تجربة اعتقالها القاسية التي بدأت باقتحام عنيف لمنزلها في شباط 2026 عند الساعة الثالثة فجراً، واعتداء جنود الاحتلال بالضرب المباشر على والدتها وشقيقها، قبل اقتيادها حافية القدمين ومقيدة الأيدي، ثم نقلها إلى مركز تحقيق عسقلان لتخضع فيه نحو أسبوعين من والتحقيق المكثف، والضغط النفسي المتواصل، حُرِمَت خلالها من لقاء المحامي وأدنى المقومات الإنسانية.

وتستكمل الشهادة سرد المعاناة بعد نقلها مع نهاية شهر (آذار 2026) إلى سجن الدامون؛ حيث أُخضعت فور وصولها للتفتيش العاري الكامل وجُرّدت من ملابسها ومستلزماتها الشخصية، لتعيش مع بقية الأسيرات ظروفاً معيشية بالغة القسوة، وإلقاء قنابل الصوت داخل الأقسام، والتكبيل بالقيود البلاستيكية، وتقليص وقت "الفورة"، إلى جانب مصادرة الاحتياجات الأساسية.

وتُوثق الأسيرة تصعيداً خطيراً جرى في آب 2026 تمثّل في اقتحام الغرف، وفرض اكتظاظ خانق، وتجريد الغرف بالكامل من الأغطية والملابس والمصاحف والأواني؛ وذلك للتمهيد والتغطية على زيارة استعراضية قام بها وزير الأمن القومي "إيتمار بن غفير" لتفقد الغرف المجرّدة.

الاستهداف الواسع للأطفال الفلسطينيين

شهدت عمليات اعتقال الأطفال الفلسطينيين تصاعدًا ملحوظًا منذ بدء حرب الإبادة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، سواء من خلال حملات الاعتقال في الضفة الغربية والقدس المحتلة، أو خلال المداهمات الليلية للمنازل والاقتحامات المتكررة على مختلف المدن والقرى والمخيمات.

ولم تقتصر الانتهاكات بحق الأطفال على عملية الاعتقال فحسب، بل رافقتها في أغلب الحالات ممارسات عنيفة ومهينة منذ لحظة الاعتقال وخلال التحقيق والنقل والاحتجاز، بما في ذلك الضرب والتقييد والتهديد وسوء ظروف الاحتجاز. كما اتسع استخدام الاعتقال الإداري بحق الأطفال، بما يحرم الطفل من معرفة التهمة الموجهة إليه، مع إمكانية تجديد أمر الاعتقال بصورة متكررة.

وبحسب إحصائيات مؤسسة الضمير، بلغ عدد الأطفال الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال نحو  370 طفلًا حتى آب/أغسطس 2026، علمًا أن الاحتلال اعتقل أكثر من 1900طفلًا خلال أعوام الإبادة الثلاثة، في مؤشر على اتساع نطاق استهداف الأطفال ضمن منظومة الاعتقال.

وتوثق شهادة الطفل (ب.ك)[7] الذي اعتُقل من منزله في شهر نيسان 2025، جانبًا من هذه الممارسات؛ إذ أفاد بأن قوات الاحتلال فجّرت باب المنزل، واعتدت بالضرب على والده وشقيقه، ثم تجمع عليه ثلاثة أو أربعة جنود وانهالوا عليه باللكمات قبل نقله إلى معسكر عتصيون ومنه إلى سجن مجدو. وأفاد بأنه أمضى نحو عام في مجدو، حيث احتُجز مع نحو 120 طفلًا في أحد الأقسام، في ظروف اتسمت بالاكتظاظ ونقص الطعام والملابس ومستلزمات النضافة الشخصية، كما وصف تعرض الأطفال لعمليات قمع متكررة، كان آخرها قبل الإفراج عنه بيوم، عندما اقتحمت القوات القسم بعد إلقاء قنبلة صوتية، وقيدت الأطفال للخلف وأجبرتهم على الجلوس على ركبهم، ثم تعرضوا للضرب والإذلال والتجريد من الملابس. ووفق شهادته، استمرت العملية نحو ثلاث ساعات وشملت جميع أسرى القسم، في ممارسة تكشف عن استخدام العنف والإذلال كأدوات للسيطرة على الأطفال داخل السجن.

الإهمال الطبي والقتل البطيء

برز الإهمال الطبي والحرمان من العلاج باعتبارهما من أخطر الجرائم بحق الأسرى والأسيرات. فقد حُرم مرضى ومصابون من الأدوية والعلاج والمتابعة الطبية، وتأخرت الاستجابة للحالات الطارئة، فيما تُرك بعض المعتقلين يعانون من إصابات وأمراض مزمنة وخطيرة دون رعاية صحية مناسبة. ولا يقتصر أثر هذه السياسة على الإضرار بالصحة، بل قد تتحول، في ظل استمرار الحرمان من العلاج والرعاية، إلى شكل من أشكال القتل البطيء، خصوصًا في الحالات التي تحتاج إلى علاج عاجل أو تدخل طبي متخصص. وقد ترافقت هذه الظروف مع عمليات تعذيب وسوء معاملة، شملت الضرب المبرح، والتقييد لفترات طويلة، والإجبار على أوضاع جسدية مؤلمة، والحرمان من النوم، والتعريض للبرد والحرارة، والتهديد والإهانة والعنف النفسي، وهي ممارسات وثقتها شهادات معتقلين وتقارير حقوقية وأممية.

وتقدم شهادة الأسير (ك.ه)[8] مثالًا على خطورة هذه السياسة؛ إذ أفاد بأنه، بعد إصابته بثلاث رصاصات ودخوله في غيبوبة لنحو شهر، خضع لعدة عمليات جراحية، لكنه حُرم لاحقًا من العلاج المناسب والعمليات الجراحية الضرورية، وأزيل "البلاتين المعدني" من أصابع قدمه دون تخدير، كما خرجت قطع من البلاتين من ساقه واضطر إلى إزالتها بنفسه في ظل غياب الرعاية الطبية اللازمة. وأفاد كذلك بأنه عانى من نقص المسكنات والغذاء، واضطر إلى الاعتماد على الأسرى في الحركة، فيما أدت مضاعفات إصابته إلى فقدان 7 سم من عظم ساقه اليسرى، ولا يزال بحاجة إلى عدة عمليات جراحية بعد الإفراج عنه.

أما (س.ع)[9] الذي فقد إحدى عينيه جراء إصابة سابقة برصاصة ولا تزال الرصاصة مستقرة في رأسه، فقد أفاد بتعرضه للضرب حتى فقدان الوعي عند اعتقاله، وحرمانه من النظارة الطبية والعلاج، كما عانى خلال اعتقاله  من الجرب والالتهابات الشديدة والدمامل، دون تلقي العلاج اللازم في الوقت المناسب. وفي إحدى الحالات، امتد التهاب شديد في ساقه حتى الحوض وأعاقه عن المشي، وبقي قرابة شهر دون علاج. كما أصيب لاحقًا بالتهاب خطير في عينه الاصطناعية، أدى إلى تمزق موضع الغرز وكاد يتسبب بخروجها، في ظل تأخر نقله إلى المستشفى واستمرار علاجه داخل السجن رغم خطورة حالته.

وتكشف الشهادتان عن نمط متكرر لا يقتصر على غياب الرعاية الطبية، وإنما يشمل تأخير العلاج، ورفض توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، وعدم الاستجابة للحالات الطارئة، وترك الأمراض والإصابات تتفاقم حتى تصبح مهددة للحياة أو تخلّف أضرارًا صحية دائمة، بما يجعل الإهمال الطبي جزءًا من منظومة أوسع من التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز.

الاعتقال الإداري وقانون المقاتل غير الشرعي

وفي الوقت ذاته، شهدت منظومة الاعتقال توسعًا خطيرًا في استخدام أدوات قانونية تعسفية تسمح لدولة الاحتلال بحرمان الفلسطينيين من حريتهم لفترات طويلة دون توجيه تهم واضحة أو إجراء محاكمة عادلة. ففي الضفة الغربية، تصاعد استخدام الاعتقال الإداري، بحيث أصبح آلاف الفلسطينيين محتجزين دون تهمة أو محاكمة، استنادًا إلى ملفات سرية لا تتيح للمعتقل ومحاميه الاطلاع عليها بصورة كاملة، مع إمكانية تجديد أوامر الاعتقال بصورة متكررة وإلى أجلٍ غير مسمى، بما يحوّل هذا الإجراء الاستثنائي إلى أداة واسعة وممنهجة للاحتجاز.

أما في قطاع غزة، فقد لجأت سلطات الاحتلال على نطاق واسع إلى قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين لعام 2002 وتعديلاته التي أُدخلت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، واستخدمته كأساس قانوني لاحتجاز آلاف الفلسطينيين من القطاع جرى اعتقالهم خلال العمليات البرية، ومن مراكز النزوح والمنازل والمستشفيات والمدارس وعند الحواجز ونقاط التفتيش. وبموجب هذا القانون، جرى احتجاز فلسطينيين لفترات مطولة دون توجيه تهم أو إجراء محاكمات عادلة، مع فرض قيود شديدة على حقهم في الاستعانة بمحامٍ والتواصل مع عائلاتهم، وتأخير المراجعة القضائية لأوامر الاحتجاز.

تؤكد المعطيات والشهادات الموثقة في هذه الورقة أن ما يشهده الأسرى والأسيرات والمعتقلون الفلسطينيون داخل سجون ومعسكرات الاحتلال يتجاوز مفهوم ظروف الاحتجاز القاسية، ليرتقي إلى مستوى منظومة قمعية متكاملة وسياسة ممنهجة تُستخدم كأداة انتقام وتنكيلٍ إبان حرب الإبادة الجماعية المتواصلة. إن تظافر سياسات الاختفاء القسري، والتعذيب المباشر، والتجويع، والإهمال الطبي الممنهج يحوّل هذه السجون والمعسكرات إلى ساحاتٍ للقتل البطيء وتجريد الإنسان من أدنى مقومات آدميته، مما يضع حياة آلاف المعتقلين أمام خطرٍ محقق ومباشر. وأمام هذه الكارثة غير المسبوقة، يقع على عاتق المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والحقوقية واجبٌ أخلاقي وقانوني عاجل للتحرك الفوري، وفرض الرقابة الدولية الفاعلة، والضغط لإتاحة دخول اللجان الرقابية والصليب الأحمر للوقوف على مصير المعتقلين، لوقف هذه الجرائم المركبة ومحاسبة الاحتلال على انتهاكاته الجسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

 

[1] للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1Ofa8K9dyszwEin0kyYfQANBo9iQrmyKg/view?usp=sharing

[2] للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1gaIGfd2o64I_8V1d7gLLCSyuf-mqCLdr/view?usp=sharing

 

[3] للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1xusEavzcZ4Rk91x4S9Dk1yGX_ziAIJLk/view?usp=sharing

[4]للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/12F4ojswagwfWf0NbCYTDK-Q8lAnz9f8x/view?usp=sharing

[5] للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1FwztE8Spa0fTtOwTUBWICXTDdUm5sC3Q/view?usp=sharing

 

[6]للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1AT2eKWDeFbUsEY_uaAOvNF4hkLvWVfen/view?usp=sharing

[7] للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1v_-j5r8dyPnpuPHLYFBdxrjYxkzhFIc2/view?usp=sharing

[8]للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1x1deL8hTfIxcesWBminMQTnON42byrmm/view?usp=sharing

[9] للاطلاع على الشهادة الكاملة على الرابط: https://drive.google.com/file/d/1aLnGWHgvehA-jLTdoTRdaDR1N9cOo2qc/view?usp=sharing